صديق الحسيني القنوجي البخاري

484

فتح البيان في مقاصد القرآن

أرجح الأقوال فإن الدنيا وإن بلغ نعيمها أي مبلغ لا يخلو من شوائب ونوائب تكثر لأجلها الأحزان وخصوصا أهل الإيمان فإنهم لا يزالون وجلين من عذاب اللّه خائفين من عقابه مضطربين القلوب في كل حين ، هل تقبل أعمالهم ؟ أو ترد ؟ حذرين من عاقبة السوء وخاتمة الشر ، ثم لا تزال همومهم وأحزانهم حتى يدخلوا الجنة ، وأما أهل العصيان فهم وإن نفس عن خناقهم قليلا في الحياة الدنيا التي هي دار الغرور ، وتناسوا دار القرار يوما من دهرهم ، فلا بد أن يشتد وجلهم وتعظم مصيبتهم ، وتغلي مراجل أحزانهم إذا شارفوا الموت ، وقربوا من منازل الآخرة ، ثم إذا قبضت أرواحهم ولاح لهم ما يسوؤهم من جزاء أعمالهم ازدادوا غما وحزنا . فإن تفضل اللّه عليهم بالمغفرة وأدخلهم الجنة فقد أذهب عنهم أحزانهم وأزال غمومهم وهمومهم . أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال : هم قوم في الدنيا يخافون اللّه ويجتهدون له في العبادة سرا وعلانية وفي قلوبهم حزن من ذنوب قد سلفت منهم فهم خائفون أن لا يتقبل منهم هذا الاجتهاد من الذنوب التي سلفت فعندها قالوا : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ . وروى البغوي بسنده عن ابن عمر قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ليس على أهل لا إله إلا اللّه وحشة في قبورهم ، ولا في نشورهم ، وكأني بأهل لا إله إلا اللّه ينفضون التراب عن رؤوسهم يقولون : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ . إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ غفر لنا العظيم وشكر لنا القليل من أعمالنا أو يغفر الجنايات ويقبل الطاعات ، وقيل : غفور لمن عصاه شكور لمن أطاعه الَّذِي أَحَلَّنا أي أنزلنا دارَ الْمُقامَةِ أي التي يقام فيها أبدا ولا ينتقل عنها مِنْ فَضْلِهِ أي تفضلا منه ورحمة . لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ أي لا يصيبنا في الجنة عناء ولا تعب ولا مشقة وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ أي إعياء من التعب ، وكلال من النصب ، ثم لما فرغ سبحانه من ذكر جزاء عباده الصالحين ذكر جزاء عباده الظالمين فقال : وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ بالموت فَيَمُوتُوا ويستريحوا من العذاب . قرىء : فيموتوا بالنصب جوابا للنفي وقرىء : بإثبات النون . قال ابن عطية : هي ضعيفة ولا وجه لهذا التضعيف ، بل هي كقوله : وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [ المرسلات : 36 ] . وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها بل كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب وكلما خبت النار زيد إسعارها وهذه الآية هي مثل قوله سبحانه : لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى [ طه : 74 ] .